ملتقى نجوم الضّاد
أهلاً بني عمنا أهلاً بني الضاد
أهلاً وسهلاً بكم يا نسل أجدادي
خبرتكم بلسماً يشفي الجروح كما
خبرتكم في الوغى سماً على العادي
لبوا ندائي فإني جئت أدعوكم
لتدخلوا صفحتي تستطعموا زادي
فمن إدام أحاديث الكرام إلى
زلال شعر به يروي ظمأ الصـــادي

عزيزي الزائر إن كنت غير مسجّل في المنتدى وأردت الاستفادة القصوى منه فسجّل فيه بالضغط على زر" التسجيل".وإن كنت عضوا في المنتدى فعرّف بنفسك بالضغط على زر " الدخول"

ملتقى نجوم الضّاد

ملتقى برج بوعريريج التربوي يجمع نجوم المدرسة الجزائرية من أساتذة وطلبة للإفادة والاستفادة
 
الرئيسيةدخولزموريات:اللغة ابحـثالتسجيل
."" إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو - أرادت... بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد.. في لغتها، وفي أخلاقها، وفي دينها.. " من أقوال عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى
" أيها الشعب الجزائري الكريم، ها أنا أمدّ يدي من قلب يحبك.. فهل تمد لي يدك ؟ لنزيل نقصنا بالكمال، وننير جهدنا بالعلم، ونمحو تخريفنا بالتفكير؟.. يدي في يدك أحببنا أم كرهنا لأن قلبي قلبك، وعقلي عقلك، وروحي روحك، ولساني لسانك، وماضي ماضيك، وحاضري حاضرك.. ومستقبلي مستقبلك.. وآلامي آلامك.. وآمالي آمالك...
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» نصوص فهم المنطوق للسنة الرابعة الابتدائي
الثلاثاء أكتوبر 30, 2018 4:30 pm من طرف ابو عماد

» شرح تسيير حصة أسبوع الإدماج ـ ساعتي الإدماج ـ في اللغة العربية في التعليم المتوسط
الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 3:53 pm من طرف ابو عماد

» موقع يمنحك 40 دولارا حقيقة التسجيل فيه جرب ولن تندم
الجمعة أكتوبر 05, 2018 6:38 pm من طرف zemmouri

» التدرج السنوي لمادة العلوم الفيزيائية للسنة الأولى المتوسط وفق الجيل الثاني
الخميس أكتوبر 04, 2018 10:40 pm من طرف zemmouri

» مذكرات السنة الأولى المتوسط في العلوم الطبيعية وفق مناهجلجيل الثاني
الخميس أكتوبر 04, 2018 10:36 pm من طرف zemmouri

» التوزيع السنوي لأنشطة العلوم الطبيعية للسنة الأولى المتوسط 2018ـ2019
الخميس أكتوبر 04, 2018 10:18 pm من طرف zemmouri

» نصوص فهم المنطوق للسنة الثالثة الابتدائي
الجمعة سبتمبر 28, 2018 6:15 pm من طرف zemmouri

» نصوص فهم المنطوق للسنة الثانية الابتدائي
الجمعة سبتمبر 28, 2018 5:54 pm من طرف zemmouri

» نصوص فهم المنطوق للسنة الولى الابتدائي
الجمعة سبتمبر 28, 2018 5:42 pm من طرف zemmouri

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
zemmouri - 4970
 
لغلام صلاح - 1067
 
alaeddine - 872
 
خولة - 610
 
asma - 540
 
nahla - 362
 
samarsinane - 345
 
رفيقة النبي في الفردوس - 342
 
زموري وأفتخر - 332
 
cheikh hachemi - 328
 

شاطر | 
 

 مذكّرات مُراهق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
zemmouri
Admin
Admin
zemmouri

عدد المساهمات : 4970
نقاط المشاركات : 13678
تاريخ التسجيل : 13/03/2010

مُساهمةموضوع: مذكّرات مُراهق   الإثنين يونيو 25, 2012 4:59 pm

مذكّرات مُراهق


المقدّمة:
لابدّ لنا قبل البدء بسرد الذكريات، من أن نصحِّح مفهوم المراهقة في ذهنك وذهن الكثير من المراهقين، أو حتّى من البالغين الذين تبدو المراهقة مشوّهة ومشوّشة في أذهانهم، فالبعض ينظر إليها على أنّها (سُبّة) أو (لعنة) أو (منقصة) أو (مرضاً)، حتى إذا أراد البعض أن يستخفّ من شخص غير متّزن، قال: "دعه، فإنّه مراهق"!
المراهق إنسانٌ سويّ في طريقه أشواط ومراحل يتعيّن عليه أن يقطعها، فهو ينتقل من مرحلة إلى مرحلة.. إنّه كالمسافر في القطار يغادر محطّةً ما إلى محطّةٍ ثانية وصولاً إلى مقصده، وما من مسافر إلا ويحتاج المرور بمحطّات.
والمراهق الذي لم يعد طفلاً، يترك طفولته بهدوء وبالتدريج، غير ناسٍ لأيّام لهوها ومتعتها وطمأنينتها وذكرياتها الجميلة.. إنّه كفتى يخطو نحو (الرّجل) وكفتاة نحو (المرأة).. وليس هناك مَن يتوقّف في محطّة واحدة إلا المتخلِّفين عقليّاً.
والمراهق – بعد ذلك – إنسانٌ نبيل، محبّ للخير، طيِّب القلب، رقيق المشاعر، مليء بالطاقة.. ينتقل من (منطقة باردة) إلى أخرى (ساخنة).. يحتاج خلال فترة الانتقال إلى التكيّف مع الأجواء الجديدة.
والمراهق – إذا التّشبيه – كالعضو الجديد في المؤسّسة القديمة.. لابدّ للأعضاء القدامى من أن يستقبلوه بحفاوة، فيحتضنوا فتوّته، ويأخذوا بيده ويُعلِّموه ما لم يعلم، ويرتقوا به على مراق السلّم..
ومن جانبه، يحاول أن يُثبت – لمن سبقه – وجوده وكفاءته وجدارته، بالانتماء إلى المؤسّسة العريقة، وبالتالي فترحيب المؤسّسة بالمراهق على أنّه واحد منها، واستعداد المراهق للإندكاك في المؤسّسة، سبب مهم من أسباب المراهقة السويّة، وبُشرى طيِّبة لبناء المجتمع الصالح.
إنّ أهل الجنّة عند الدخول إليها سيعيشون جوّاً جديداً عليهم.. هم حديثو عهد به، فلأوّل مرّة يتعاملون مع الملائكة وجهاً لوجهٍ، ولكنّ الملائكة – سكّان السّماء – سوف لن يتعالوا على أهل الجنّة – سكّان الأرض – بل يتلقّونهم بالتحيّة والسّلام ويشعروهم أنّهم أسرة واحدة، وأنّهم آمنون.
أخيراً، المراهق – على عكس المتصوّر – ليس مريضاً يحتاج إلى طبيب، بل هو إنسان قليل الخبرة والتجربة(*) يريد أن ينمِّي خبرته ويطوِّر تجربته حتى يعبر (مرحلة التحضير) إلى (مرحلة المشاركة).
وقد يبدو المراهق – كما يظهر من تصرّفاته – في غنى عن المساعدة لشعوره أنّه لم يعد طفلاً، وأنّه قادر على الاعتماد على نفسه، ولكنّه – في حقيقة الأمر – يحتاج إلى المساعدة (المطلوبة) لا (المفروضة).. لقد قويت قدماه وهو قادر على المشي لمسافات طويلة، فلا يحتاج إلى مَنْ يُمسِك بيده ليعلِّمه المشي، لكنّه يحتاج إلى مَن يُعرِّفه الطريق!
بمعنى: إنّه بحاجة إلى المُربِّي العطوف، والمُعلِّم المخلص، والمُستشار الرحيم، والنّاصح المُشفق، لا إلى الذي يصدر عليه الأوامر ويُلقي عليه النواهي، إنّه ليس لوحة أزرار يُضغط عليها ويُنتظر منها أن تُلبِّي الأوامر.
المراهق- باختصار شديد – (زميل) جديد لعالم الرِّجال، أو (زميلة) جديدة لعالم النِّساء، ومن حكمة الزملاء القدامى أن لا يُشعروا الزميل الجديد بالفوارق الكثيرة بينه وبينهم، لنتركه هو يشعر بها شخصياً يتحسّس مدى حاجته إلى استكمال نواقصه حتى يبلغ مرحلة العضوية الكاملة.
حينما تبتعد عن مرحلة من مراحل عمرك، يمكنك أن تنظر إليها بشكل أوضح.. تكون عندها كأنّك تشاهد فيلماً عن شخص آخر وإن كان الفيلم من بطولتك أنت، وأقول آخر لأنّك وإن كان الفيلم من بطولتك أنت، وأقول آخر لأنّك تكون قد غادرته إلى مرحلة أخرى أكثر نضجاً، فيكون ذلك الذي كُنتَهُ في سنِّ الـ(12) وكأنّه غير الذي أصبحته في سن الـ(20)، وهكذا تتغيّر المراحل كما تتغيّر النظرة إلى الحياة بمقدار ما تكتسب فيها من علم ومعرفة وخبرات وتجارب وأخطاء وتصحيح لتلك الأخطاء.
وقد تضحك اليوم ممّا كنتَ تراهُ بالأمس عدا أنّه (الحقيقة) وأنّه (الثابت) الذي لا يتغيّر.. وضحكة اليوم أو ضحكة النّضج التي تجعلك تتراجع أو تنقد بعض ما كنتَ تفعله حينها، هي (ضحكة الوقار) وليست ضحكة استخفافية؛ لأنّها تجعلك تبتسم للحاضر الذي يُمثِّلك وتحمد الله على أنّك لم تبقَ على ما أنتَ عليه من طفولة.
تلك هي قصّتنا – نحن المراهقين – إلا الذي بقي يراوح في مكانه طويلاً، أي لم يستفد من سنوات عمره اللاحقة ليطوِّر (معدن المراهقة) إلى (صناعة إنسانية). فالحديد في باطن الأرض لو لم يُستخرج، ويؤخذ إلى المصاهر ليُصهر وتُصنع منه الآلات والأدوات النّافعة والمفيدة، يبقى كما هو حديد في مادّته الأوّلية حتى لو نامَ تحت الأرض سنين طويلة، فلابدّ لمادّتنا الأوّلية من أن تتطوّر.
إنّ الأسرة والتعليم وعقل الإنسان نفسه، تساعده على أن لا يبقى (مادّة أوّلية)، بل تحوّل (حديده) و(ذهبه) و(ماسه) وسائر معادنه الثمينة والنفسية إلى منتجات حياتية نافعة، فكلّ مولود جديد.. ومراهق جديد.. وشاب جديد.. إضافة نوعيّة إلى الحياة.
في مرحلة الدِّراسة المتوسِّطة، كان زملائي في الدراسة مراهقين مثلي، وعندما تكون في جوٍّ مقارب للجوّ الذي أنتَ فيه، فقد لا ينفعك ذلك كثيراً في تطوير مواهبك، فكلّما كان هناك مجال للمقارنة أو المنافسة بين (الحسن) وبين (السيِّئ) أو بين (الحسن) وبين (الأحسن)، كان ذلك عاملاً مساعداً على نموّك أكثر.
تعلّمتُ ذلك من جدّتي التي كانت تحبّني كثيراً وأبادلها حبّاً بحبٍّ.. كانت تقول لي: صاحب مَن هو أكبر منك (عقلاً) وأكثر منك (أدباً)، حتى تتعلّم من الأوّل فكراً ومن الثاني سلوكاً.
اليوم وقد عبرتُ مرحلة المراهقة أتذكّر كلامها وأستعيد علاقاتي فأرى أنّها على حقٍّ، فلقد كانت علاقاتي – إلى حدٍّ ما – مختارة.. اخترتُ الأكثر ذكاءً والأكثر أدباً، وقد لا يجتمعان في مراهق.. فكنتُ أصاحبُ هذا وأصاحبُ هذا، فماذا جنيتُ من ذلك؟
كان (الأكثر ذكاءً) من حيث لا يعلم، يفيض عليَّ بذكائه من خلال لفتاته البديعة، وعقله اللّمّاح، وقدرته على التعامل، وعلى تحقيق الفوز، وتغلّبه على المشاكل، وموقعه المميّز بين الزملاء.
وكان (الأكثر أدباً) يُساعدني على أن أتأدّب بأدبه، وأتخلّق بأخلاقه، وكان لابدّ أن أكون متأدِّباً معه على الأقل حتّى ينجذب إليَّ وأنجذب إليه، وقد أدّى ذلك إلى أتأدّب مع غيره.
فالعدوى إيجابية أيضاً، وقد تأكّد لي بالفعل أنّ الطّبع يأخذ ويستلهم من الطّبع، ولا أقول (يسرق) لكراهيّتي للسّرقة، ولأنّ الأخذ هنا هو كاستنشاق الوردة الزكية.. هي (تفوح) وأنت (تستمتع).
عذراً إليك قارئي الكريم..
لقد سبقني القلم يشدّه الحنين إلى أيّام التلمذة، فلم يترك أن أعرِّفك بأسرتي.. كنّا في البيت (أربعة): أبي وأُمِّي وأنا وأختي التي تصغرني بعامين. كان أبي موظّفاً عاديّاً، وأُمِّي قد أنهت دراستها الإعدادية أو الثانوية، وعلى مقربة من بيتنا يقع بيت جدِّي وجدّتي لأبي، وليس بعيداً أيضاً بيت (خالي) الذي يكبرني بسبعة أعوام.
هؤلاء كانوا يُشكِّلون أسرتي الكبيرة، وإنِّي لأحمد الله أن استفدتُ منهم جميعاً، فلهم الشكر موصولاً على ما كان لهم من فضلٍ عليَّ، لقد أحببنا بعضنا، والحبّ هو الذي جعلهم (يعطونني) بسخاء، وجعلني (آخذ) شاكراً.
في فترة مراهقتي الأولى كنتُ دائم البحث عن ذاتي ولكن بطريقة مشوّشة وغير مدروسة، وكانت أُمِّي مُعلِّمة ناجحة بامتياز، حيث كانت تخلط نصائحها وتوصياتها لي بالكثير من المودّة والحنو، ومع ذلك فإنّني كنتُ مشاكساً وأعاندها لغرض العناد لمجرّد أنِّي أستشعر في نفسي أنّني أصبحتُ كبيراً، ولم تعد قواعد البيت وقوانينه تناسبني.
ولأنّ عقل أمِّي وقلبها كبيران، كانت تتفهّم هذا التحوّل، فبدلاً من أن تشتري لي ملابس من السوق، راحت تسألني عمّا يعجبني من الملابس لأختارها على ذوقي، وربّما استأذنت للدّخول عليَّ في غرفتي، ولم تعد تضغط عليَّ للقيام بأعمال كانت تطلب منِّي فعلها عندما كنتُ صغيراً.
وحينما تجدني معانداً في موضوعٍ ما، لا ترغمني عليه، بل كانت تقول لي كلمات من قبل: (أليسَ هذا أفضل؟!) (ما رأيك بهذا؟! ودعنا نؤجِّل هذا إلى وقتٍ آخر.. فكلّ شيء في أوانه جميل)..
لم تكن (تدلِّلني) كانت (تعلِّمني) كيف أختار الصحيح بدليل أنّني كنتُ في تلك المرحلة مطلبيّاً (كثير الطلبات).. أرغب باقتناء أشياء حتى ولو لم تكن ضرورية، فلم تكن تُلبِّي لي جميع طلباتي، لم أكن أتفهّم أنّ راتب أو معاش أبي لا يُساعد على المصروفات الزائدة أو غير الضرورية.
والآن حينما أتذكّر استجابتها لمطالبي _ المعقولة في نظرها – أعرف أنّها كانت توازن بين ما هو ضروري وما هو ليس كذلك، لا بالنسبة لامرأة ناضجة مثلها، بل لمراهق في أوّل حياته مثلي.
كانت تربط بعض التلبيات بأمور تخصّني وتُشعرني بنوع من المكافأة، ففي الطلبات الكبيرة تؤجِّلها أو تُشرطها بشرط نجاحي آخر العام، وفي الصغيرة بأداء واجباتي وتكاليفي أو تعاوني داخل البيت. كانت تعلِّمني أنّ المكافأة لا تُعطى مجّاناً، وربّما ادّخرت لي بعض الطلبات لتعملها مفاجأة لي في عيد ميلادي مثلاً، وقد ترفض بعضها إذا قدّرت ضرره أو صرفه لي عن واجباتي.. وكنتُ أتضايق من ذلك، وأشكو لخالي من (بخل) أمِّي.
غير أنّ خالي الذي كان بمثابة صديقي المُقرّب – على الرغم من تفاوت العمر بيننا – كان يحاول أن يفهمني بغير الطريقة التي تتحدّث أمِّي بها معي. ففي الوقت الذي كان يؤيِّد مواقفها ويُبرِّرها لي، كان يُقنعني بطريقة لبقة أن ليس من مصلحتي امتلاك كلّ شيء، لأنّه ليس هناك شخص يمتلك كل ما يريد، وأنّ (حرماني) من بعض الأشياء قد يجعل ما تحت يدي عزيزاً.. كان يقول لي: إنّ اقتناء الأشياء بأوقات سريعة واستبدالها بغيرها يُفقدها لذّتها، وحينما يجدني مصرّاً، يقول لي ملاطفاً: وهل تريد أن تشتري مخزن الألعاب كله؟!
من خالي هذا تعلّمتُ أن لا أقارن نفسي بغيري والشبّان والمراهقين، فلكلِّ إنسان ظروفه وإمكاناته.. كنتُ أقول له: فلان وفلان من أصدقائي يملكون أكثر ممّا أملك، فكان يُقرِّب لي الفكرة بزملاء الفصل ويسألني: هل كلّهم متساوون؟ فأقول: لا، فيقول هكذا في الأمور الأخرى.
وكان يُشدِّد اللّهجة أحياناً فيقول بأنِّي لستُ الوحيد في حياة أبويَّ.. هناك أختي.. وهناك احتياجات البيت الأساسية، لا تفكِّر بحاجاتك وتنسى حاجات الأسرة!
في تلك الأيام بدأتُ أنفر كلمة (إفعل هذا) و(لا تفعل هذا)، فأشعر بأيِّ أمر حتى لو كان خفيفاً بأنّه ثقيل عليَّ، أو بالأحرى كنتُ أستثقله، وكان أبي يلاحظ ذلك، فقد بتّ أرفض الذهاب إلى بقّال المحلّة للتبضّع وشراء بعض المُستلزمات المنزلية، أو حتى الذهاب إلى زيارة بعض الأقرباء، أو أن يقول لي (قُم صلِّ).. أو اترك التلفاز واعمل واجباتك.. اقفل الكومبيوتر..
ومع تغيّر طبعي واشتداد عنادي، تمكّن أبي أن يُغيِّر لهجته، فراح يلزمنا ببعض الأعمال ولكن بصورة غير مباشرة، كأن يقول لي: أنا اليوم مشغول، هل لك أن تساعد ماما في عمل كذا؟ أو سأشتري الأشياء الفلانيّة، فساعدني في شراء الباقي، وقد يصيغ طلبه على نحو الاستشارة: ما رأيك أن نفعل ذلك غداً، واستبدل (قُم صلِّ) بـ(لا تنسَ صلاتك يا ولدي).. كلّ ذلك أشعرني بأنّ أبي يعتبرني وكيله أو مساعده وأنّه يتعامل معي بمساواة، وعلى الرغم من التغيير في أسلوب أبي والتخفيف من وقع الطلبات المباشرة، كنتُ أتذمّر أحياناً حتى من هذا الأسلوب.
وقد لاحظَ جدِّ ذلك، فقال لي – وكان يُحدِّثني دائماً على انفراد – إن أباكَ يستطيع أن يفعل بعض ما يأمركَ به بنفسه على الرغم من متاعبه ومشاغله، لكنّك أنتَ المستفيد من هذه التكاليف، إنّ أباكَ يريد أن يراكَ رجلاً معتمداً على نفسه.. أنتَ غداً ستكون صاحب أسرة، فإذا تعلّمتَ من الآن القيام ببعض واجباتها، ساعدكَ ذلك على أن تكون ربّ أسرة ناجحاً، وأحياناً لا يذهب بعيداً، بل يقول لي: إذا كنتَ تضجر من الطلبات والأوامر، فأنا أقترح عليكَ أن تعالج الأمر بالمبادرة.. اعرض على أبويك الخدمة، قُلْ منهما: هل عندكَ ما تحبّ أن أساعدك به، فذلك أطيب لنفسيهما وأهون على نفسك.
أمّا إذا رآني أكثر الجدال في الموضوع فيحسمه بقوله: هل تريد أن يرضى الله عنك؟ فأجيبه: نعم، بالتأكيد، فيقول: المسألة بسيطة.. حاول أن تُرضي والديك!
وهنا أحبّ أن أؤكِّد على ما قد يُساء فهمه، فأنا وإن كنتُ عنيداً، لكنني أستجيب للمنطق المُقنع، وما مجادلاتي إلا للتهرّب، وما كلمات جدِّي أو خالي بالتي تدخل من أذن فتخرج من الأخرى.. إنّها تتفاعل (تفاعلاً) كيمياوياً مع مشاعري، وكم من أمر رفضته ظاهرياً، لكنني كنتُ أستجيب له واقعياً عندما أتذكّر تلك الكلمات الصادرة عن قلوب تحبّني وتريد لي الخير.
الآن أشعر بشعور قويّ، أنّنا حتّى وإن كبرنا نبقى بحاجة إلى مَن يأخذ بأيدينا، كما كنّا صغاراً، ولكن هذه المرّة بكلماته الطيِّبة وحنانه الفائض.
ولأنّني شاب مراهق يعيش متطلّبات عصره، كنتُ كثيراً ما أصطدم بأمِّي وأبي في شؤون صغيرة لكنّها كانت تبدو في وقتها كبيرة، فأنا مثلاً من (أنصار الجديد) وامِّي وأبي من (أنصار القديم) أو هكذا كان يُخيّل إليَّ في وقتها.. كان لي ذوق خاص في اختيار ملابسي، وقصّة شعري، ومشترياتي، ومشاهداتي، وقراءاتي، وكانوا يرون بعض ما أفعله مخالفاً للذّوق العام، وكنتُ أرى أنه هو الذوق، ولم يكونا يجبراني على تغييره، إنّما يطرحان وجهة نظرهما، وربّما قسوتُ عليهما بالقول (أنتم عقليّة قديمة).. وكانا – للحقِّ – يستقبلان نقدي برحابة صدر، أو بعدم إظهار ردّ فعل سلبي إزاء ما أصنع.. كنتُ أدافع عن جديدي أو عن اختياري حتّى ولو كان مرفوضاً من قِبَلِهما، فقط بأنني كنتُ أتصور أنّ رفضهما من باب المناكدة لي والتّضييق على حرِّيتي.
سمعني خالي ذات يوم وأنا أصف أبي بأنّه ذو عقلية قديمة، وحينما خلونا إلى بعضنا، قال لي بصراحته المعهودة: إذا كنتَ تعيش الآن عصرك، فحينما كان أبوكض في مثل عمرك كان يعيش عصره أيضاً، وفي غد قد تبدو في نظر إبنك أو بنتك من الماضي أو من الطِّراز القديم، واختلاف الأذواق أمر طبيعي بين المراهقين أنفسهم، ولكن إيّاك أن تعتبر أنّك باتِّباعك لإيقاع العصر أن عقلك أكبر من عقل أبيك.. إنّ استعمالك للكمبيوتر أو للأجهزة التقنية الحديثة، أو معرفتك بآخر إصدارات السينما العالمية لا يعني أنّك أفهم من أبيك، قد تفوق خبرتك في هذه الأشياء خبرته، لكن يجب أن تضع في بالكَ أنّ تجربة أبيكَ أنضج من تجربتك بأضعاف المرات، وإذا كنتَ (خرِّيج المدرسة) فهو (خرِّيج الحياة).. لقد أراد الله تعالى للأجيال أن (تتكامل) لا أن (تتصارع).
وعندما أستوقفه لأضرب له بعض الأمثلة عن المفارقات التي كانت تحصل، كان يوافقني على بعضها، لكنه يقول لي في النهاية: كما أنّك لا تحبّ لأحدٍ أو لأبويكَ أن يجرحا مشاعرك.. افعل الشيء نفسه معهما.. حاول أن تقول كلمتك، ولكن حاذر أن تجرح مشاعرهما.. تأدّب حتى في نقدهما.
ومنه (من خالي) تعلّمتُ أنّ كلمة (أفّ) القرآنية التي نهى الله تعالى عنها كأدنى درجات السوء في التعامل مع الوالدين، لا تحمل معنى التضجّر فقط، بل هي كل ما يُسيء إلى الوالدين من كلمات جارحة، بما في ذلك الاستخفاف بعقولهما أو الاستهانة بمعرفتهما.
وبحقٍّ أقول لكم، أنّني – لم أكن في داخلي مسيئاً أو بذيئاً أو محبّاً لإثارة المشاكل – بل على العكس من ذلك، كنتُ طيِّب القلب، مُرهف المشاعر، بدليل أنّني عندما أعرف خطأي – فقد لا أعترف به – لكنني أندم على ما ارتكبه منه بالقول أو بالفعل، أي بالألفاظ أو التصرفات.. وبصدق أؤكِّد لكم، أنّ الكثير من أخطائي لم تكن مقصودة، لا أريد أن أبرِّرها، لكن تسرّعي هو الذي كان يوقعني فيها، وإذا كنتُ قد أدركتُ ذلك متأخِّراً، فإنّ أبواي كانا يعلمان ذلك جيِّداً، لأنّهما كانا لا يستقبلان أخطائي على أنّه (خطيئة)، وإن كنتُ أقرأ على وجوههما (سحابة) خفيفة طفيفة من ألم وحزن.
كانت جدّتي – في أوقات هدوئي وصفائي – تقول لي: إنّ قلب أمّك وأبيك أكبر ممّا تتصوّر.. إنّهما لن يغضبا عليك، وإنّما يغضبان على تصرّفاتك الحمقاء، وثق إنّهما يسامحانك قبل أن تعتبذر إليهما، بل حتّى إذا لم تعتذر إليهما، وتقرِّب لي الصورة أكثر، فتقول: عندما كنتَ (تسقط) على الأرض وأنتَ طفل صغير لا تقوى قدماك على المشي.. كانت قلوبهما (تسقط) على الأرض معك، لأنّهما يعرفان إنّك صغير لم تُحسن المشي، وقد تؤلمك السّقطة..
واليوم حينما (تسقط) في كلامك أو تصرّفاتك.. يُدركان أيضاً أنّك لم تتعلّم بعد (السّير) في الطريق الصحيح للحياة، ولذلك يعذرانك.. فقلب الوالدين – يا ولدي – ليس كقلب الولد.. إنّه أكثر رحمة وأشدّ شفقة.
ثمّ تقرص أذني قرصة صغيرة، وتقول: سقطة واحدة أو سقطتان مغفورتان، ولكن إيّاك أن تكثر السقطات يا ولدي.. فقلبنا أمّك وأبيك لا يتحمّلا الصدمات خصوصاً التي تصدر عن الأبناء.
ولابدّ لي هنا من أن أؤكِّد – من خلال ما تبيّن لي لاحقاً في دراساتي التربوية والنفسية – أنّ المراهق مستعدّ لقبول التربية على خلاف ما يتصوّره بعض الآباء، وإنّه يراعي متطلّبات الدِّين والأخلاق، فهو من أنصار الطهارة والصلاح، وهو يتحسّس – بدرجةٍ كبيرة – الفساد وسوء الخلق وعدم الإنصاف، وهو على درجة عالية من الفهم والذكاء، والدهاء – علاوة على ذلك – له قابلية على تصحيح أخطائه، كما أنّ قدرته الجسدية والعصبية تمكِّنه من إنجاز أعمال مهمّة في شتّى المجالات، وأمّا نزوعه إلى الاستقلالية، فيجعله يقوم بالأعمال الموكلة إليه بشيء من الإبداع والإبتكار.
في المشهد الذي هو داخل حديقة البيت، كان الأب المسنّ يجلس هو وابنه على مصطبة في الحديقة، وكان الإبن منشغلاً يتصفّح جريدة بيده، وفي هذه الأثناء، حطّ عصفورٌ غريب الشِّكل واللون على غصن في الشجرة التي كانت تظلّ المصطبة، فسأل الأب ابنه: ما هذا؟ فالتفتَ الإبن لفتة سريعة، وقال: عصفور. ثمّ انتقل العصفور إلى غصنٍ آخر، فسأل الأب: ما هذا؟ فقال الإبن من دون أن يلتفت: عصفور.. قلت لكَ عصفور. وفي المرّة الثالثة حينما كرّر الأب السؤال – ويبدو أنّه كان يريد أن يلقي ابنه الصحيفة من يده ليحادثه – انفجر الإبن صائحاً بوجه أبيه: قلتُ لكَ إنّه عصـ...صـ.فووور! وضرب على الصحيفة بيده.
لم يقول الأب شيئاً، لكنّه دخل إلى داخل الدّار وأخرج دفتراً وعاد إلى المصطبة، وفتح إحدى الصفحات، وقال لابنه إقرأ، فقرأ الشاب (المقطع التالي من مذكّرات أبيه) التي يخاطبه فيها:
"عندما كنتَ صغيراً.. حطَّ عصفورٌ صغيرٌ على شجرةٍ في الحديقة، وسألتني: ما هذا؟ وكرّرتَ السؤال عشرات المرّات، وكنتُ في كلِّ مرّة أجيبك – بحبٍّ – إنّه عصفور"!!


المصدر: موقع البلاغ

_________________
رماني الناس بالحجارة .. فجمعتها و بنيت بيتا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://zemmouraedu34.yoo7.com
ferhate.bhz
شمس المنتدى
شمس المنتدى


عدد المساهمات : 243
نقاط المشاركات : 245
تاريخ التسجيل : 06/01/2012

مُساهمةموضوع: رد: مذكّرات مُراهق   الثلاثاء يونيو 26, 2012 5:20 pm

شكرا جزيلا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مذكّرات مُراهق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى نجوم الضّاد :: مناهج وطرائق- تربويات عامة- علم النفس التربوي :: علم النفس التربوي-
انتقل الى: